محمد متولي الشعراوي
5865
تفسير الشعراوى
الطائر لا هوى له يفسد عقيدته ، وأن أهواءنا هي التي تفسد العقائد ، ومن أعطاه اللّه سبحانه البدائل هو الذي يفسد الاختيار ما دام لا يحرس الاختيار بالإيمان ، وأن يختار في ضوء منهج اللّه تعالى . ونحن نرى أن ما دون الإنسان من طائر أو حيوان لا يفسد شيئا ؛ لأن غريزته تقوده ، فلا نجد حيوانا يأكل فوق طاقته ، لكننا نجد إنسانا يصيب نفسه بالتخمة « 1 » ، ولا نجد حمارا يقفز فوق قناة من الماء لا يقدر عليها ، بل نراه وهو يتراجع عنها ، ولكنا نجد إنسانا يشمر عن ساعديه « 2 » ؛ ليقفز فوق قناة مياه ؛ فيقع فيها « 3 » . إذن : فنحن بأهوائنا التي تسيطر على غرائزنا نوقع أنفسنا فيما يضرنا ، ما لم نحرس أنفسنا بمنهج اللّه سبحانه وتعالى . ونجد في مثال الهدهد صفاء عقديا في التوحيد كأصفى ما يكون المتصوّفة ، ويأتي بما يهمه أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأن الخبء هو رزق الهدهد ، فهو لا يأكل من الشئ الظاهر على سطح الأرض ، بل يضرب بمنقاره الأرض ؛ ليأتي لنفسه بما يطعمه . ويعطينا الحق سبحانه مثلا آخر بالنملة التي قالت : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) . [ النمل ]
--> ( 1 ) التخمة : الذي يصيب الإنسان من الطعام إذا استوخمه أي : استثقله . وقد تطلق « التخمة » على كثرة الطعام والمبالغة في الأكل والشرب حتى يثقل على الجسم هضم الطعام ؛ فيصاب الإنسان بالوخم والثقل وعدم القدرة على الحركة . [ اللسان : مادة وخم ] . ( 2 ) الساعد : ملتقى الزندين من عند المرفق إلى الرسغ . والساعد : ساعد الذراع ، وهو ما بين الزندين والمرفق ، سمّى ساعدا لمساعدته الكفّ . وجمع الساعد : سواعد . [ اللسان : مادة ( سعد ) ] . ( 3 ) وهذا مصداق قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ( 72 ) [ الأحزاب ] .